السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

86

مفاتيح الأصول

داخل في العبادة عند الخصم المنازع وإبطال مذهبه مجرّد توهّم مع تصريحه بأن العبادات توقيفية موقوفة على نصّ الشارع مفتاح اعلم أنه قد تمسّك في المعارج والنهاية والمبادي والمنية والمعالم والمحصول وشرح المنهاج للعبري على أنّه لا يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد وأنّه يشترط في التخصيص بقاء كثرة يقرب من مدلول العام بالقبح فقالوا لنا القطع بقبح قول القائل أكلت كلّ رمّانة في البستان وفيه ألف وقد أكل واحدة أو اثنتين أو ثلاثة وقوله أخذت كلما في الصّندوق من الذّهب وفيه ألف وقد أخذ دينارا إلى ثلاثة انتهى ويستفاد من هذا أن كلّ استعمال قبيح يكون خارجا عن قانون اللغة وغير موافق لها بل صرّح بهذا العبري فقال بعد الإشارة إلى الحجّة المزبورة ذلك دليل الامتناع لغة انتهى فيكون ذلك أصلا يرجع إليه في معرفة اللَّغات ولكن فيه نظر للمنع من استلزام القبح الخروج عن اللَّغة كما صرّح به في الزبدة والإحكام وشرح المختصر للعضدي واعترف به في النهاية وذلك لوجوه منها أنّه لو استلزم ذلك للزم الحكم بعدم جواز استثناء أكثر أفراد العام والتالي باطل فالمقدم مثله أمّا الملازمة فللقطع بأن استثناء أكثر أفراده قبيح ولذا استدل بذلك بعض القائلين بعدم جواز الاستثناء المذكور وأمّا بطلان التالي فلما سيأتي من الدليل على جواز الاستثناء المذكور لغة مطلقا وعليه معظم الفقهاء والأصوليين بل عزي إلى أصحابنا الإمامية رضي الله عنهم ومنها أن القبح لو كان دليلا على الخروج عن اللَّغة للزم الحكم بكون الكذب والخطابات الَّتي تقع في مقام غير مناسب واللغو والفحش خارجا عن اللَّغة لقبحه والتالي باطل قطعا ومنها ما أشار إليه بعض الأجلَّة فقال إن من يدعي قبح مثل هذا الاستعمال إن أراد أنّه مما يذمه العقلاء فلا وجه لمنع القبح بهذا المعنى نعم لا يلزم منه عدم الصّحة لغة لأن منشأ ذم العقلاء يمكن أن يكون بعد مثل هذا الاستعمال عن الطبع السّليم ألا ترى أنّهم يذمّون مثل تكأكأتم مع صحة استعمال اللفظ لغة وإن أراد أن العقلاء من أهل اللسان يخطئون هذا القائل ويعيبونه في قوله وهذا دليل على عدم صحة الاستعمال عندهم فحينئذ يتجه المنع أعني منع التخطئة والعيب في نفس القول لعدم صحته وإن أراد أن مثل هذا الاستعمال لا يقع في كلام اللَّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وخلفائه عليه السلام إلا لنكتة تخرجه عن القبح إلى الاستحسان فإذا نسب إليهم مثل هذا القول فمع فرض عدم النكتة في الواقع نحكم بعدم صدوره عنهم ومع فرض عدم الاطلاع عليها لما لم يحصل لنا ظن بصدوره عن مثلهم لاشتماله على ما ينافي شأنهم لا يجوز لنا الحكم بمقتضاه فيصير هذه المسألة من فروع عدم صدور القبيح عنهم عليهم السلام وليست من مسائل اللَّغة في شيء وإنما البحث بحسب اللغة فالظاهر الاستدلال بموارد الاستعمال انتهى ويؤيد ما ذكر أن المركبات ليست لها أوضاع خاصة مستندة إلى أهل اللَّغة وإنما هي حاصلة بوضع المفردات الَّذي يستند إلى اللَّغة وهو لا يوصف بحسن ولا قبح وإنما الموصوف بهما نفس التراكيب التي هي بفعل المتكلم فإذا أحسن في التركيب كان حسنا وإذا أساء فيه كان قبيحا وليس مرجع ذلك إلى اللَّغة فلا يصحّ الحكم بخروج تركيب عن اللَّغة باعتبار قبحه وقد أشار إلى ما ذكر السيّد الأستاذ ره أيضا فقال إن القبح في الأمثلة المذكورة ليس لاشتراط الواضع بقاء الأكثر في تخصيص العام بل لأمر عارض للاستعمال له إذا روعي فيها الجهات المحسنة والاعتبارات اللائقة وليس القبح فيها إلَّا كالقبح في قول القائل في الإقرار بالعشرة له عليّ واحد وواحد يكرّره عشرة أو اثنان واثنان يكرره خمسة أو خمسة وخمسة أو اثنان وثلاثة وخمسة فإن ذلك وإن كان مستقبحا في العرف وضيعا في المحاورات إلَّا أن ذلك ليس لأمر راجع إلى وضع اللَّغة أو العرف ولذا ترى أنّه متى تصرّف في مثله المتكلَّم تصرفا يخرجه عن الضّعة والابتدال حسن وملح وتخلَّص عن القبح والسماجة ولو كان القبح في أمثال ذلك مستندا إلى مخالفة اللَّغة أو الخروج عن القوانين العربيّة لوجب أن يستمر القبح مع اللفظ ولا يزول عنه أبدا وإن روعي فيه أنواع اللَّطائف والنّكات أو اختلف فيه الأحوال والمقامات فإن الكلام الفاسد الملحون المخالف للقانون اللغوي الخارج عن ضوابط اللفظ العربي يستحيل أن يصحّ أبدا ما أبقى على فساده ولم يتغير من وضعه وجهته وكيف يصح ما هو فاسد من أصل أو يستقيم ما هو مختل في ذاته فكيف يستصلح فساد الأصل بالمحسنات العارضة نعم إذا صحّ الكلام ووافق القانون العربي ولم يخرج عن ضوابط اللَّغة لكن كان فيه نوع سماجة واستهجار أو ضعة وابتدال أمكن أن يزول عنه ما فيه من القبح أو الابتدال بمراعاة فنون البلاغة فيه وإيراده على وجه يطابق مقتضى الحال وربما التحق بواسطة التقريب فيه بالكلام البليغ المرتفع الذي يتنافس به ألا ترى أن التكرار الذي سمجه الأسماع ولا تقبله الطباع كيف حسنة في سورة الرحمن حيث إنّه كلما ذكر فيها نعمة أنعم بها قرر عليها ووبخ على التكذيب بها حتى اكتسى الكلام لأجله ملاحة فوق الملاحة إلى أن قال وبهذا الاعتبار يحسن الاستغراق واستعمال أداة العموم في الأمثلة المذكورة فإن القائل إذا قال أكلت كلّ رمّانة في البستان مريدا بعضها الأقل إذا قال ذلك نظرا إلى ما عدا المراد من تلك الأفراد نزّله منزلة المعدوم الَّذي لا يمكن أكله حتى لا يبقى من العموم سوى الأفراد المأكولة من الرمان صحّ كلامه قطعا وزال عنه القبح الثّابت له قبل ذلك بالاعتبار انتهى وفيه نظر فإن الظاهر أن أكثر الأصوليّين على كون القبح دليلا على الخروج عن اللَّغة ومخالفتهم مشكلة